إعلان أفقي

اخر المقالات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مباحث أصولية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مباحث أصولية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 فبراير 2017



يعتبر اختيار موضوع لنيل شهادة الدكتوراه من بين الأمور التي تؤرق مضجع العديد من طلبة العلم نظرا لوفرة البحوث المنجزة في مختلف العلوم والفنون، هذا بالإضافة إلى تنوع رؤى الأساتذة المشرفين على ملفات الترشيح المقدمة لهذا الغرض، فالبعض منهم يميل إلى الدراسات الفكرية، وآخرون يحبدون تحقيق المخطوطات التي لم تخدم من قبل، وعديدون يحبون دراسة مناهج القدماء قصد الاستفادة منها في بناء المستقبل ...، وبين هذه الرؤى وتلك الاختيارات يتيه نظر الطالب، ويحير فكره.
وبما أنني منذ وقت طويل وأنا أطرق أبواب بعض الجامعات، فقد تجمع لدي مجموعة من المواضيع التي أراها تصلح كبحوث نافعة للطالب المجد، والتي يستطيع من خلالها تقديم إضافة جديدة للمكتبة الإسلامية.
وبما أن فرصة القبول في هذا المسلك قد تتأخر، وربما تأتي أو لا تأتي، فقد ارتأيت أن أشارك هذه المواضيع مع باقي  الطلبة قصد الإفادة والاستفادة من ملاحظاتهم أو استدراكاتهم، كما أنها كلأ مباح لكل من أراد أن يتقدم بها كموضوع خاص به مقابل دعوة خالصة في ظهر الغيب.

وفيما يلي أقدم بين أيديكم الجزء الثالث من هذه السلسلة، راجيا من الله تعالى القبول والتوفيق والسداد.


بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فبعد أن عرفت القرون الثلاثة الأولى بظهور المجتهدين، وانتشار العلماء المجددين الذين اشتهروا بنبوغهم الفكري حيث استطاعوا أن يحيطوا بكل المسائل والأقضية التي تواجه المجتمع الإسلامي حينئذ، خاصة بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ودخل في هذا الدين جموع غفيرة من مختلف الأجناس و الأعراف والأديان، وتعايش المسلمون مع بعضهم عربا وعجما، كما تعايشوا مع غير المسلمين من يهود ونصارى وغيرهم، مما أدى إلى إثراء الفكر الإسلامي، بعد أن واجهت الأمة أقضية لم تكن معروفة في صدر الإسلام، الشيء الذي أدى إلى تحريك عجلة الاجتهاد، حيث اتسع النشاط الفقهي، كما هو الحال بالنسبة للأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، الذين بذلوا أقصى ما في وسعهم لتعريف الناس بهذا الدين وهدايتهم به، حيث رفعوا راية الاجتهاد وخلعوا عنهم عباءة التقليد، بل إنهم نهوا أصحابهم وتلاميذهم عن تقليدهم دون الوقوف على دليلهم، مصرحين بذلك أن مذهبهم هو الحديث الصحيح، لأنهم لم يكونوا يقصدون أن يقلدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم، بل كانت نيتهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله تعالى.
إلا أن الناس بعدهم فترت هممهم، وضعفت عزائمهم، وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه ويعول عليه ويتعصب له، ويبذل كل ما أوتي من قوة لنصرته والدفاع عنه، بالحق تارة وبالباطل تارة أخرى...
وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي  أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، وكان مما ساعد في انتشار هذه الروح الرجعية ما قام به بعض الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تلك المذاهب والانصراف عن الاجتهاد...
وبالعكوف على التقليد، وفقد الهداية بالكتاب والسنة، وتغييب العقل والقول بانسداد باب الاجتهاد وقعت الأمة في شر وبلاء ودخلت في جحر الضب الذي حذرها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه...[1]
والعجيب في الأمر أن هذا البلاء قديم في الأمة، حيث اشتكى منه الكثير من العلماء قديما، فهذا إمام الحرمين ( 478 هـ ) يصف عصره بكونه خال عن الأئمة المجتهدين قائلا – في معرض تنظيره لخلو الزمان عن نقلة الشريعة -: « إذا خلى الزمان عن المفتين البالغين مبلغ المجتهدين، ولكن لم يعر الدهر عن نقلة المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضين، وتكاد هذه الصورة توافق هذا الزمان وأهله »[2]. كما يتضح ذلك وضاحا جليا من خلال نقده لمقلدة عصره، ومن ذلك قوله رحمه الله عند معالجته لمشكلة سياسية اقتصادية تتعلق بازدياد عساكر الإسلام إلى درجة أن موارد بيت المال لم تعد كافية لمئونتهم وعدتهم ... - قال - : « فهذه التشبيبات قدمتها لتوطئة أمر مقطوع به عندي، قد يأباه المقلِّدون الذين لا تقتضيهم نفوسهم التحويم على الحقائق، فضلا عن ورودها، وكلما ظهرت حقيقة، ولاحت إلى دركها[3] طريقة صبروا لجحودها »[4]، ثم قال بعد عرضه لرأيه في هذه القضية : « فرحم الله امرء طالع هذا الفصل وأنصف وانتصف ولم يَلزم جادة تقليده ولم يتعسف »[5]، كما يظهر ذلك أيضا في فقرة أخرى من نفس الكتاب، حيث يشدد فيها من هجومه على المقلدة قائلا :« وإنما بلائي كله ... من ناشئة الزمان شذوا طرفا من مقالات الأولين، وركنوا إلى التقليد المحض، ولم يتشوفوا إلى انتحاء درك اليقين، وابتغاء ثلج الصدور، فضلا عن أن يشمروا للطلب، ثم يبحثوا أو يحققوا، ثم إذا رأوا من لا يرى التعريج على التقليد، ويشرئب إلى مدارك العلوم، ويحاول الانتفاض من وَضر[6] الجهل، نفروا[7] نِفار الأوابد ونخروا[8] نخير الحمر المستنفرة، وأضربوا عن إجالة الفكر والنظر، وارجحنوا[9] إلى المطاعن على من يحاول الحقائق، ويلابس المضايق، وقنعوا من منصب العلماء بالرد على من يبغي العلم، والترقي عن الجهالات ، والبحث عن حقائق المقالات »[10].
ومع مرور الزمن، وتغير الأحوال، وكثرة النوازل والأقضية التي تعن للناس في كل زمان ومكان، ومع قصور النظر الذي أصبح يتمتع به كثير من الفقهاء والمقلدين،  وقف التشريع عند هذا الحد، ووقف العلماء لا يستظهرون غير المتون، ولا يعرفون غير الحواشي وما فيها من إيرادات واعتراضات وألغاز ... حتى تخلفت الأمة عن الركب، ووجدت نفسها أمام عالم جديد كله حياة وقوة وإنتاج[11].
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، والذي يحتاج إلى جواب علمي متجرد هو: هل لا تزال الأمة تهيم في سباتها العميق؟، وهل الفقه الإسلامي اليوم لا يزال يعيش على أنقاض القصور التي شيدها الأئمة المجتهدون ؟، هل جمود الدراسات الفقهية حقيقة واقعية أم أنها مجرد خيال وسراب يتوهمه المتوهمون ؟
وفي المقابل: هل أصبحنا نشهد فعلا طفرة فقهية وعلمية معاصرة لم يسبق لها مثيل إلا في القرون الثلاثة الأولى؟، هل ما يدعيه البعض من ثراء المنتوج الفقهي والأصولي المعاصر سواء من ناحية الشكل أو المضمون حقيقة أم أنها مجرد ضحك على الذقون ؟ ...
كل هذه الأسئلة وغيرها سأحاول الإجابة عنها بكل تجرد واستقلالية من خلال هذه الدراسة التي سأتقدم بها بين أيديكم.
أولا: عنوان البحث المقترح
الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة: بين الاجتهاد والجمود
ثانيا: أهمية الموضوع
إن مما يبين أهمية هذا الموضوع هو تلك الضجة الكبيرة التي لا زال يحدثها بين صفوف العلماء والمفكرين، بين من ينعت الدراسات الفقهية الحديثة بالجمود والتحجر، ومن يرى أنها استطاعت أن تتخلص من دائرة التقليد التي ألجمت بها لقرون عديدة.
كما أن هذا النوع من الدراسات المرصع بالمعطيات والأرقام والإحصاءات العلمية بعيدا عن الادعاءات والأقاويل العارية عن الدليل، سيكون سببا في وضع القارئ العربي في صورة الحدث بعيدا عن التعصب لرأي على حساب رأي آخر، ودون تغليب قول على قول دونما دليل أو برهان.
وخلاصة القول: إن هذا الموضوع ذو أهمية كبيرة حيث يرمي إلى تقديم دراسة علمية رقمية إحصائية، تعتمد الحجة والبرهان، باعتماد أحدث التقنيات المعاصرة في البحث والتي تتخذ من الأرقام والإحصائيات وسيلة لجعل القارئ أمام صورة حقيقية يستطيع من خلالها الحكم على الظاهرة بدون أي إثارة خارجية أو داخلية.
ثالثا: ثمرته
من ثمرات هذه الدراسة ما يلي:
1 – رفع اللثام عن هذه الإشكالية التي ظلت لسنوات عديدة بين شد وجذب.
2 – محاولة الاعتماد على الأرقام والإحصاءات من أجل تحليل الظاهرة تحليلا علميا دقيقا دون إعارة الاهتمام للكلام الإنشائي الذي يستجدي العاطفة ولا يخاطب العقل.
3 – الخروج عن النمط التقليدي في البحوث، والذي يعتمد على كثرة النقول، وذلك عن طريق توظيف المقاربات العلمية الحديثة في الاستدلال والبرهنة، كالجداول، والأرقام، والإحصاءات، والبيانات، والاستمارات وغيرها.
4 – إلا أن هذا لا يمنعنا من الاستنارة بآراء العلماء والمفكرين من مختلف المدارس والتوجهات والذين لهم آراء مبثوثة وأقوال مأثورة في هذه الظاهرة.
5 – محاولة تدبير الاختلاف الواقع بين من يقول بجمود الدراسات الفقهية المعاصرة، ومن يقول بتطورها ومسايرتها للواقع.
رابعا: إشكالية البحث
إن المتأمل في واقع المسلمين اليوم ليقع في الحيرة والتردد في الأسباب الواقعية والتاريخية التي أدت بأمة اقرأ إلى الركود والنزول إلى هذه الهوة السحيقة، حتى كثرت الأقوال والتفسيرات الإيديولوجية في فك رموز وطلاسم هذه الظاهرة.
إلا أن الإشكالية العميقة التي يعاني منها العقل العربي الإسلامي اليوم تتمثل في حقيقة دعوى الجمود الفكري والفقهي والأصولي الذي تعاني منه الأمة في ضوء هذه الطفرة الإعلامية والمعلوماتية الغير مسبوقة في تاريخ البشرية، وفي إطار هذا التطور العلمي الكبير في وسائل الطباعة والنشر، وفي خضم هذا الإنتاج الفكري الضخم الذي ينتجه العقل الإسلامي في المجالين الفقهي والأصولي. هل لازلنا نعيش جمودا فقهيا شبيها بذلك الجمود الذي عرفته الأمة الإسلامية لقرون قد خلت ؟، أم أننا نعيش فترة من الازدهار العلمي والثقافي والفكري شبيها بما عاشته الأمة الإسلامية في قرونها الأول؟ وهل ما يدعيه البعض من ثراء الإنتاج الفقهي والأصولي المعاصر سواء من ناحية الشكل أو المضمون حقيقة أم أنها صورة حديثة ومتطورة من صور التخلف والجمود الفكريين ؟ وعلى افتراض وجود جمود فقهي أصولي حقيقي، هل هذا الجمود يمس الفقهاء والأصوليين فقط، أم أنه ينسحب على علمي الفقه وأصوله أيضا؟...
هذه المجموعة من التساؤلات وغيرها سيحاول الباحث في هذه الدراسة المنهجية أن يحيط بها ويجيب عليها بشكل أكاديمي موضوعي بعيدا عن أي رأي مسبق.



خامسا: الدراسات المنجزة في الموضوع                                   
لقد كثر الكلام في هذه السنوات الأخيرة على ظاهرة الجمود الفقهي في العصر الحديث، وتعددت المناهج والطرق المتبعة في مناقشة هذا الموضوع.
ومن خلال التنقيب والبحث في المكتبات وعلى شبكة الأنترنيت، فإنني أكاد أجزم بأن هذا الموضوع لا يزال في حاجة ماسة إلى الدراسة الممنهجة والعميقة، البعيدة عن التعصب، والمتجردة عن الآراء القبلية.
ويبقى أهم وأبرز وما وقفت عليه من دراسات أكاديمية تهم هذه الظاهرة كتابين للدكتور أحمد الخمليشي، الأول: "جمود الدراسات الفقهية: أسبابه التاريخية والفكرية ومحاولة العلاج"، والثاني:" الاجتهاد: تصورا وممارسة"[12].
فالأول صريح في بابه، يعنى بالأسباب التاريخية التي ساهمت في بروز هذه الظاهرة وتفشي هذا الداء العضال الذي أصاب الأمة، محاولا النبش في أصول المعرفة الإسلامية وإخضاعها للمساءلة الفلسفية من أجل الوصول إلى الأسباب الحقيقية وراء هذا التخلف الفقهي والأصولي الذي لا تزال الأمة تتجرع مرارته إلى عصرنا الحالي حسب رأي الكاتب.
كما أنه يستجدي مراحل التطور الذي عرفه كل من الفقه وأصوله عبر مختلف مراحلهما التاريخية وصولا إلى العصر الحالي من أجل استشراف حلول عملية للخروج بهما من بوتقة الجمود والتحجر.
إلا أن هذه الدراسة عنيت بتقديم الفقه وأصوله من جانبه السلبي فقط دون النظر إلى بعض الجوانب الإيجابية في الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة، عن طريق استحضار مجموعة من النماذج والمقولات التي يتفق الجميع على كونها وجها من وجوه الجمود الذي لازالت الأمة تعيشه إلى عصرنا الحالي، مع إغفال نماذج ومقولات أخرى تبرز الطابع الاجتهادي والتجديدي عند الكثير من حملة الشريعة في هذا العصر بغض النظر عن مخالفتنا أو اتفاقنا مع الآراء التي تنتجها هذه النماذج.
وفي جميع الأحوال فإن مثل هذه الدراسات العلمية وإن كانت أحادية الرؤية إلا أنها تستفز القارئ وتجعله يطرح الكثير من التساؤلات عن حقيقة هذه الظاهرة في واقعنا المعاصر.
سادسا: المنهجية المتبعة في هذه الدراسة
إن الهدف من هذه الدراسة هو تحقيق القول في مسألة جمود الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة، ومدى استيعابها أو قدرتها على تغطية الخصاص الفكري الذي تعاني منه الأمة في السنوات الأخيرة، نظرا لكثرة ما يعرض عليها من نوازل وأقضية تحتاج إلى حلول وأجوبة شافية.
وعليه فإنني سأعمل على إتمام هذه الدراسة من خلال مجموعة من المراحل هذه أهمها:
1 - استقراء تاريخ الفقه الإسلامي عبر مراحله التاريخية للوقوف على أبرز مراحل الازدهار أو الجمود.
2 – الحديث عن نشأة علمي الفقه وأصوله ودواعيهما وضرورتهما في حياة الأمة الإسلامية.
3 - النظر في أقوال العلماء والمفكرين الإسلاميين في تفسيرهم لأسباب هذه الظاهرة.
4 – العناية بالأرقام والإحصاءات من أجل إعطاء مصداقية أكثر للنتائج التي ستخرج بها هذه الدراسة.
5 – الوقوف على أكبر عدد ممكن من الأقضية والنوازل المعاصرة والنظر في عدد البحوث الجادة المنجزة في كل نازلة، مع الاهتمام أيضا بالفتاوى والمقالات المتعلقة بالموضوع.
سابعا: بناء الموضوع ( التصميم )
في ضوء هذا المنهج الذي ذكرت، سيكون تصميم الرسالة  المبدئي–إن شاء الله – كما يلي:
التمهيد، ويشتمل على:
المبحث الأول: التعريف بالفقه وأصوله
المطلب الأول: تعريف الفقه وبيان أهميته
المطلب الثاني: تعريف علم أصول الفقه وبيان أهميته
المبحث الثاني: نشأة الفقه وأصوله
المطلب الأول: نبذة موجزة عن تاريخ الفقه الإسلامي
المطلب الثاني: نبذة موجزة عن تاريخ أصول الفقه
الباب الأول: الدراسات الأصولية المعاصرة بين الجمود والاجتهاد
الفصل الأول: جمود الدراسات الأصولية المعاصرة
المبحث الأول: أدلة القائلين بالجمود
المبحث الثاني: النظر في هذه الأدلة
الفصل الثاني: تطور الدراسات الأصولية المعاصرة
المبحث الأول: أدلة القائلين بالتطور
المبحث الثاني: النظر في هذه الأدلة
الفصل الثالث: الموازنة بين القولين
الباب الثاني: الدراسات الفقهية المعاصرة بين الجمود والاجتهاد
الفصل الأول: جمود الدراسات الفقهية المعاصرة
المبحث الأول: أدلة القائلين بالجمود
المبحث الثاني: النظر في هذه الأدلة
الفصل الثاني: تطور الدراسات الفقهية المعاصرة
المبحث الأول: أدلة القائلين بالتطور
المبحث الثاني: النظر في هذه الأدلة
الفصل الثالث: الموازنة بين القولين

ثامنا: أهم المراجع والمصادر
لا يمكنني التنبؤ في هذا الطور من البحث عن كافة المصادر والمراجع التي سأعتمدها في هذه الدراسة، لكن وبشكل مبدئي يمكنني الجزم بأن هذه القائمة الآتي ذكرها ستكون من ضمن عشرات المصادر الأخرى التي سأستفيد منها. ومن ذلك:
-         القرآن الكريم
-         الصحيحان وباقي كتب السنة
-         "نظرية المقاصد عن الإمام الشاطبي" لأحمد الريسوني
-         "قرارات المجمع الفقهي الإسلامي"
-         " جمود الدراسات الفقهية: أسبابه التاريخية والفكرية ومحاولة العلاج" لأحمد الخمليشي
-         "تيارات اليقظة الإسلامية الحديثة" محمد عمارة
-         " أزمة الوعي الديني " فهمي هويدي
-         " الشورى والديمقراطية" علي محمد الآغا
-         "الإسلام السياسي" العشماوي
-         "الإسلام السياسي والحداثة" أعراب
-         "الفكر الإسلامي: قراءة عملية" محمد أركون
-         "الخلافة ونشأة الأحزاب السياسية" محمد عمارة
-         مجلة الإحياء
-         "فتاوى علماء الحرم"
-         مجموعة من الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة التي تعنى بالقضايا المعاصرة.
-         بعض كتب التراجم والتاريخ الإسلامي
-         الكتب المصادر في الفقه الإسلامي
-         الكتب المصادر في أصول الفقه ك : "البرهان للجويني"، و"التقريب والإرشاد" للباقلاني، و"قواطع الأدلة" للسمعاني، و"المعتمد" لأبي الحسين البصري، و"الإشارة" للباجي، و"الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم والآخر للآمدي، و"مختصر ابن الحاجب"، و"إيضاح المحصول من برهان الأصول" للمازري وغيرها من كتب السادة الأصوليين من مختلف المذاهب.
خاتمة:
وختاما أشكر كلية ( ,,, )، إدارة وأساتذة وموظفين على فتح أبواب التسجيل في هذا المسلك في وجوه الراغبين في الانخراط في سلك الباحثين، سائلا المولى عز وجل أن ييسر لنا في طلب العلم، وأن يجعلنا من أعمدة النهضة العلمية التي تشارك فيها وتسعى إليها هذه المؤسسة العريقة، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




[1]  - أنظر فقه السنة للسيد سابق 1/14-15.
[2]  - الغياثي ص: 196.
[3] - الدَّرَْك: بفتح الراء وسكونها، اسم مصدر من الإدراك. ويطلق أيضا على أسفل كل شيء ذي عمق، يقال: بلغ الغواص درك البحر( أنظر المعجم الوسيط 1/281 ).
[4] - الغياثي ص : 283 .
[5] - الغياثي ص : 286 .
[6]  -  الوضَر : الدرن والدسم والوسخ من الدسم وغيره. ( المعجم الوسيط 2/1039).
[7]  - نفر من الشيء نفورا ونِفارا : فزع وانقبض غير راض به( المعجم الوسيط 2/939).
[8]  - نخر نخرا ونخيرا : صوت بخياشيمه، والنخير  : الصوت بالأنف. ( المعجم الوسيط 2/908-909).
[9]  - ارْجَحَنَّ : ثقُل ومال واهتز ( المعجم الوسيط 1/330).
[10] - الغياثي ص : 407 وانظر ص : 440-441 .
[11]  - أنظر فقه السنة 1/17.
[12]  - كلاهما طبع دار نشر المعرفة، ط 1 : سنة 2010.

سلسة مواضيع مقترحة للدكتوراه ( 3 ):الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة: بين الجمود والاجتهاد



يعتبر اختيار موضوع لنيل شهادة الدكتوراه من بين الأمور التي تؤرق مضجع العديد من طلبة العلم نظرا لوفرة البحوث المنجزة في مختلف العلوم والفنون، هذا بالإضافة إلى تنوع رؤى الأساتذة المشرفين على ملفات الترشيح المقدمة لهذا الغرض، فالبعض منهم يميل إلى الدراسات الفكرية، وآخرون يحبدون تحقيق المخطوطات التي لم تخدم من قبل، وعديدون يحبون دراسة مناهج القدماء قصد الاستفادة منها في بناء المستقبل ...، وبين هذه الرؤى وتلك الاختيارات يتيه نظر الطالب، ويحير فكره.
وبما أنني منذ وقت طويل وأنا أطرق أبواب بعض الجامعات، فقد تجمع لدي مجموعة من المواضيع التي أراها تصلح كبحوث نافعة للطالب المجد، والتي يستطيع من خلالها تقديم إضافة جديدة للمكتبة الإسلامية.
وبما أن فرصة القبول في هذا المسلك قد تتأخر، وربما تأتي أو لا تأتي، فقد ارتأيت أن أشارك هذه المواضيع مع باقي  الطلبة قصد الإفادة والاستفادة من ملاحظاتهم أو استدراكاتهم، كما أنها كلأ مباح لكل من أراد أن يتقدم بها كموضوع خاص به مقابل دعوة خالصة في ظهر الغيب.

وفيما يلي أقدم بين أيديكم الجزء الثالث من هذه السلسلة، راجيا من الله تعالى القبول والتوفيق والسداد.


بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فبعد أن عرفت القرون الثلاثة الأولى بظهور المجتهدين، وانتشار العلماء المجددين الذين اشتهروا بنبوغهم الفكري حيث استطاعوا أن يحيطوا بكل المسائل والأقضية التي تواجه المجتمع الإسلامي حينئذ، خاصة بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ودخل في هذا الدين جموع غفيرة من مختلف الأجناس و الأعراف والأديان، وتعايش المسلمون مع بعضهم عربا وعجما، كما تعايشوا مع غير المسلمين من يهود ونصارى وغيرهم، مما أدى إلى إثراء الفكر الإسلامي، بعد أن واجهت الأمة أقضية لم تكن معروفة في صدر الإسلام، الشيء الذي أدى إلى تحريك عجلة الاجتهاد، حيث اتسع النشاط الفقهي، كما هو الحال بالنسبة للأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، الذين بذلوا أقصى ما في وسعهم لتعريف الناس بهذا الدين وهدايتهم به، حيث رفعوا راية الاجتهاد وخلعوا عنهم عباءة التقليد، بل إنهم نهوا أصحابهم وتلاميذهم عن تقليدهم دون الوقوف على دليلهم، مصرحين بذلك أن مذهبهم هو الحديث الصحيح، لأنهم لم يكونوا يقصدون أن يقلدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم، بل كانت نيتهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله تعالى.
إلا أن الناس بعدهم فترت هممهم، وضعفت عزائمهم، وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه ويعول عليه ويتعصب له، ويبذل كل ما أوتي من قوة لنصرته والدفاع عنه، بالحق تارة وبالباطل تارة أخرى...
وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي  أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، وكان مما ساعد في انتشار هذه الروح الرجعية ما قام به بعض الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تلك المذاهب والانصراف عن الاجتهاد...
وبالعكوف على التقليد، وفقد الهداية بالكتاب والسنة، وتغييب العقل والقول بانسداد باب الاجتهاد وقعت الأمة في شر وبلاء ودخلت في جحر الضب الذي حذرها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه...[1]
والعجيب في الأمر أن هذا البلاء قديم في الأمة، حيث اشتكى منه الكثير من العلماء قديما، فهذا إمام الحرمين ( 478 هـ ) يصف عصره بكونه خال عن الأئمة المجتهدين قائلا – في معرض تنظيره لخلو الزمان عن نقلة الشريعة -: « إذا خلى الزمان عن المفتين البالغين مبلغ المجتهدين، ولكن لم يعر الدهر عن نقلة المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضين، وتكاد هذه الصورة توافق هذا الزمان وأهله »[2]. كما يتضح ذلك وضاحا جليا من خلال نقده لمقلدة عصره، ومن ذلك قوله رحمه الله عند معالجته لمشكلة سياسية اقتصادية تتعلق بازدياد عساكر الإسلام إلى درجة أن موارد بيت المال لم تعد كافية لمئونتهم وعدتهم ... - قال - : « فهذه التشبيبات قدمتها لتوطئة أمر مقطوع به عندي، قد يأباه المقلِّدون الذين لا تقتضيهم نفوسهم التحويم على الحقائق، فضلا عن ورودها، وكلما ظهرت حقيقة، ولاحت إلى دركها[3] طريقة صبروا لجحودها »[4]، ثم قال بعد عرضه لرأيه في هذه القضية : « فرحم الله امرء طالع هذا الفصل وأنصف وانتصف ولم يَلزم جادة تقليده ولم يتعسف »[5]، كما يظهر ذلك أيضا في فقرة أخرى من نفس الكتاب، حيث يشدد فيها من هجومه على المقلدة قائلا :« وإنما بلائي كله ... من ناشئة الزمان شذوا طرفا من مقالات الأولين، وركنوا إلى التقليد المحض، ولم يتشوفوا إلى انتحاء درك اليقين، وابتغاء ثلج الصدور، فضلا عن أن يشمروا للطلب، ثم يبحثوا أو يحققوا، ثم إذا رأوا من لا يرى التعريج على التقليد، ويشرئب إلى مدارك العلوم، ويحاول الانتفاض من وَضر[6] الجهل، نفروا[7] نِفار الأوابد ونخروا[8] نخير الحمر المستنفرة، وأضربوا عن إجالة الفكر والنظر، وارجحنوا[9] إلى المطاعن على من يحاول الحقائق، ويلابس المضايق، وقنعوا من منصب العلماء بالرد على من يبغي العلم، والترقي عن الجهالات ، والبحث عن حقائق المقالات »[10].
ومع مرور الزمن، وتغير الأحوال، وكثرة النوازل والأقضية التي تعن للناس في كل زمان ومكان، ومع قصور النظر الذي أصبح يتمتع به كثير من الفقهاء والمقلدين،  وقف التشريع عند هذا الحد، ووقف العلماء لا يستظهرون غير المتون، ولا يعرفون غير الحواشي وما فيها من إيرادات واعتراضات وألغاز ... حتى تخلفت الأمة عن الركب، ووجدت نفسها أمام عالم جديد كله حياة وقوة وإنتاج[11].
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، والذي يحتاج إلى جواب علمي متجرد هو: هل لا تزال الأمة تهيم في سباتها العميق؟، وهل الفقه الإسلامي اليوم لا يزال يعيش على أنقاض القصور التي شيدها الأئمة المجتهدون ؟، هل جمود الدراسات الفقهية حقيقة واقعية أم أنها مجرد خيال وسراب يتوهمه المتوهمون ؟
وفي المقابل: هل أصبحنا نشهد فعلا طفرة فقهية وعلمية معاصرة لم يسبق لها مثيل إلا في القرون الثلاثة الأولى؟، هل ما يدعيه البعض من ثراء المنتوج الفقهي والأصولي المعاصر سواء من ناحية الشكل أو المضمون حقيقة أم أنها مجرد ضحك على الذقون ؟ ...
كل هذه الأسئلة وغيرها سأحاول الإجابة عنها بكل تجرد واستقلالية من خلال هذه الدراسة التي سأتقدم بها بين أيديكم.
أولا: عنوان البحث المقترح
الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة: بين الاجتهاد والجمود
ثانيا: أهمية الموضوع
إن مما يبين أهمية هذا الموضوع هو تلك الضجة الكبيرة التي لا زال يحدثها بين صفوف العلماء والمفكرين، بين من ينعت الدراسات الفقهية الحديثة بالجمود والتحجر، ومن يرى أنها استطاعت أن تتخلص من دائرة التقليد التي ألجمت بها لقرون عديدة.
كما أن هذا النوع من الدراسات المرصع بالمعطيات والأرقام والإحصاءات العلمية بعيدا عن الادعاءات والأقاويل العارية عن الدليل، سيكون سببا في وضع القارئ العربي في صورة الحدث بعيدا عن التعصب لرأي على حساب رأي آخر، ودون تغليب قول على قول دونما دليل أو برهان.
وخلاصة القول: إن هذا الموضوع ذو أهمية كبيرة حيث يرمي إلى تقديم دراسة علمية رقمية إحصائية، تعتمد الحجة والبرهان، باعتماد أحدث التقنيات المعاصرة في البحث والتي تتخذ من الأرقام والإحصائيات وسيلة لجعل القارئ أمام صورة حقيقية يستطيع من خلالها الحكم على الظاهرة بدون أي إثارة خارجية أو داخلية.
ثالثا: ثمرته
من ثمرات هذه الدراسة ما يلي:
1 – رفع اللثام عن هذه الإشكالية التي ظلت لسنوات عديدة بين شد وجذب.
2 – محاولة الاعتماد على الأرقام والإحصاءات من أجل تحليل الظاهرة تحليلا علميا دقيقا دون إعارة الاهتمام للكلام الإنشائي الذي يستجدي العاطفة ولا يخاطب العقل.
3 – الخروج عن النمط التقليدي في البحوث، والذي يعتمد على كثرة النقول، وذلك عن طريق توظيف المقاربات العلمية الحديثة في الاستدلال والبرهنة، كالجداول، والأرقام، والإحصاءات، والبيانات، والاستمارات وغيرها.
4 – إلا أن هذا لا يمنعنا من الاستنارة بآراء العلماء والمفكرين من مختلف المدارس والتوجهات والذين لهم آراء مبثوثة وأقوال مأثورة في هذه الظاهرة.
5 – محاولة تدبير الاختلاف الواقع بين من يقول بجمود الدراسات الفقهية المعاصرة، ومن يقول بتطورها ومسايرتها للواقع.
رابعا: إشكالية البحث
إن المتأمل في واقع المسلمين اليوم ليقع في الحيرة والتردد في الأسباب الواقعية والتاريخية التي أدت بأمة اقرأ إلى الركود والنزول إلى هذه الهوة السحيقة، حتى كثرت الأقوال والتفسيرات الإيديولوجية في فك رموز وطلاسم هذه الظاهرة.
إلا أن الإشكالية العميقة التي يعاني منها العقل العربي الإسلامي اليوم تتمثل في حقيقة دعوى الجمود الفكري والفقهي والأصولي الذي تعاني منه الأمة في ضوء هذه الطفرة الإعلامية والمعلوماتية الغير مسبوقة في تاريخ البشرية، وفي إطار هذا التطور العلمي الكبير في وسائل الطباعة والنشر، وفي خضم هذا الإنتاج الفكري الضخم الذي ينتجه العقل الإسلامي في المجالين الفقهي والأصولي. هل لازلنا نعيش جمودا فقهيا شبيها بذلك الجمود الذي عرفته الأمة الإسلامية لقرون قد خلت ؟، أم أننا نعيش فترة من الازدهار العلمي والثقافي والفكري شبيها بما عاشته الأمة الإسلامية في قرونها الأول؟ وهل ما يدعيه البعض من ثراء الإنتاج الفقهي والأصولي المعاصر سواء من ناحية الشكل أو المضمون حقيقة أم أنها صورة حديثة ومتطورة من صور التخلف والجمود الفكريين ؟ وعلى افتراض وجود جمود فقهي أصولي حقيقي، هل هذا الجمود يمس الفقهاء والأصوليين فقط، أم أنه ينسحب على علمي الفقه وأصوله أيضا؟...
هذه المجموعة من التساؤلات وغيرها سيحاول الباحث في هذه الدراسة المنهجية أن يحيط بها ويجيب عليها بشكل أكاديمي موضوعي بعيدا عن أي رأي مسبق.



خامسا: الدراسات المنجزة في الموضوع                                   
لقد كثر الكلام في هذه السنوات الأخيرة على ظاهرة الجمود الفقهي في العصر الحديث، وتعددت المناهج والطرق المتبعة في مناقشة هذا الموضوع.
ومن خلال التنقيب والبحث في المكتبات وعلى شبكة الأنترنيت، فإنني أكاد أجزم بأن هذا الموضوع لا يزال في حاجة ماسة إلى الدراسة الممنهجة والعميقة، البعيدة عن التعصب، والمتجردة عن الآراء القبلية.
ويبقى أهم وأبرز وما وقفت عليه من دراسات أكاديمية تهم هذه الظاهرة كتابين للدكتور أحمد الخمليشي، الأول: "جمود الدراسات الفقهية: أسبابه التاريخية والفكرية ومحاولة العلاج"، والثاني:" الاجتهاد: تصورا وممارسة"[12].
فالأول صريح في بابه، يعنى بالأسباب التاريخية التي ساهمت في بروز هذه الظاهرة وتفشي هذا الداء العضال الذي أصاب الأمة، محاولا النبش في أصول المعرفة الإسلامية وإخضاعها للمساءلة الفلسفية من أجل الوصول إلى الأسباب الحقيقية وراء هذا التخلف الفقهي والأصولي الذي لا تزال الأمة تتجرع مرارته إلى عصرنا الحالي حسب رأي الكاتب.
كما أنه يستجدي مراحل التطور الذي عرفه كل من الفقه وأصوله عبر مختلف مراحلهما التاريخية وصولا إلى العصر الحالي من أجل استشراف حلول عملية للخروج بهما من بوتقة الجمود والتحجر.
إلا أن هذه الدراسة عنيت بتقديم الفقه وأصوله من جانبه السلبي فقط دون النظر إلى بعض الجوانب الإيجابية في الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة، عن طريق استحضار مجموعة من النماذج والمقولات التي يتفق الجميع على كونها وجها من وجوه الجمود الذي لازالت الأمة تعيشه إلى عصرنا الحالي، مع إغفال نماذج ومقولات أخرى تبرز الطابع الاجتهادي والتجديدي عند الكثير من حملة الشريعة في هذا العصر بغض النظر عن مخالفتنا أو اتفاقنا مع الآراء التي تنتجها هذه النماذج.
وفي جميع الأحوال فإن مثل هذه الدراسات العلمية وإن كانت أحادية الرؤية إلا أنها تستفز القارئ وتجعله يطرح الكثير من التساؤلات عن حقيقة هذه الظاهرة في واقعنا المعاصر.
سادسا: المنهجية المتبعة في هذه الدراسة
إن الهدف من هذه الدراسة هو تحقيق القول في مسألة جمود الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة، ومدى استيعابها أو قدرتها على تغطية الخصاص الفكري الذي تعاني منه الأمة في السنوات الأخيرة، نظرا لكثرة ما يعرض عليها من نوازل وأقضية تحتاج إلى حلول وأجوبة شافية.
وعليه فإنني سأعمل على إتمام هذه الدراسة من خلال مجموعة من المراحل هذه أهمها:
1 - استقراء تاريخ الفقه الإسلامي عبر مراحله التاريخية للوقوف على أبرز مراحل الازدهار أو الجمود.
2 – الحديث عن نشأة علمي الفقه وأصوله ودواعيهما وضرورتهما في حياة الأمة الإسلامية.
3 - النظر في أقوال العلماء والمفكرين الإسلاميين في تفسيرهم لأسباب هذه الظاهرة.
4 – العناية بالأرقام والإحصاءات من أجل إعطاء مصداقية أكثر للنتائج التي ستخرج بها هذه الدراسة.
5 – الوقوف على أكبر عدد ممكن من الأقضية والنوازل المعاصرة والنظر في عدد البحوث الجادة المنجزة في كل نازلة، مع الاهتمام أيضا بالفتاوى والمقالات المتعلقة بالموضوع.
سابعا: بناء الموضوع ( التصميم )
في ضوء هذا المنهج الذي ذكرت، سيكون تصميم الرسالة  المبدئي–إن شاء الله – كما يلي:
التمهيد، ويشتمل على:
المبحث الأول: التعريف بالفقه وأصوله
المطلب الأول: تعريف الفقه وبيان أهميته
المطلب الثاني: تعريف علم أصول الفقه وبيان أهميته
المبحث الثاني: نشأة الفقه وأصوله
المطلب الأول: نبذة موجزة عن تاريخ الفقه الإسلامي
المطلب الثاني: نبذة موجزة عن تاريخ أصول الفقه
الباب الأول: الدراسات الأصولية المعاصرة بين الجمود والاجتهاد
الفصل الأول: جمود الدراسات الأصولية المعاصرة
المبحث الأول: أدلة القائلين بالجمود
المبحث الثاني: النظر في هذه الأدلة
الفصل الثاني: تطور الدراسات الأصولية المعاصرة
المبحث الأول: أدلة القائلين بالتطور
المبحث الثاني: النظر في هذه الأدلة
الفصل الثالث: الموازنة بين القولين
الباب الثاني: الدراسات الفقهية المعاصرة بين الجمود والاجتهاد
الفصل الأول: جمود الدراسات الفقهية المعاصرة
المبحث الأول: أدلة القائلين بالجمود
المبحث الثاني: النظر في هذه الأدلة
الفصل الثاني: تطور الدراسات الفقهية المعاصرة
المبحث الأول: أدلة القائلين بالتطور
المبحث الثاني: النظر في هذه الأدلة
الفصل الثالث: الموازنة بين القولين

ثامنا: أهم المراجع والمصادر
لا يمكنني التنبؤ في هذا الطور من البحث عن كافة المصادر والمراجع التي سأعتمدها في هذه الدراسة، لكن وبشكل مبدئي يمكنني الجزم بأن هذه القائمة الآتي ذكرها ستكون من ضمن عشرات المصادر الأخرى التي سأستفيد منها. ومن ذلك:
-         القرآن الكريم
-         الصحيحان وباقي كتب السنة
-         "نظرية المقاصد عن الإمام الشاطبي" لأحمد الريسوني
-         "قرارات المجمع الفقهي الإسلامي"
-         " جمود الدراسات الفقهية: أسبابه التاريخية والفكرية ومحاولة العلاج" لأحمد الخمليشي
-         "تيارات اليقظة الإسلامية الحديثة" محمد عمارة
-         " أزمة الوعي الديني " فهمي هويدي
-         " الشورى والديمقراطية" علي محمد الآغا
-         "الإسلام السياسي" العشماوي
-         "الإسلام السياسي والحداثة" أعراب
-         "الفكر الإسلامي: قراءة عملية" محمد أركون
-         "الخلافة ونشأة الأحزاب السياسية" محمد عمارة
-         مجلة الإحياء
-         "فتاوى علماء الحرم"
-         مجموعة من الدراسات الفقهية والأصولية المعاصرة التي تعنى بالقضايا المعاصرة.
-         بعض كتب التراجم والتاريخ الإسلامي
-         الكتب المصادر في الفقه الإسلامي
-         الكتب المصادر في أصول الفقه ك : "البرهان للجويني"، و"التقريب والإرشاد" للباقلاني، و"قواطع الأدلة" للسمعاني، و"المعتمد" لأبي الحسين البصري، و"الإشارة" للباجي، و"الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم والآخر للآمدي، و"مختصر ابن الحاجب"، و"إيضاح المحصول من برهان الأصول" للمازري وغيرها من كتب السادة الأصوليين من مختلف المذاهب.
خاتمة:
وختاما أشكر كلية ( ,,, )، إدارة وأساتذة وموظفين على فتح أبواب التسجيل في هذا المسلك في وجوه الراغبين في الانخراط في سلك الباحثين، سائلا المولى عز وجل أن ييسر لنا في طلب العلم، وأن يجعلنا من أعمدة النهضة العلمية التي تشارك فيها وتسعى إليها هذه المؤسسة العريقة، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




[1]  - أنظر فقه السنة للسيد سابق 1/14-15.
[2]  - الغياثي ص: 196.
[3] - الدَّرَْك: بفتح الراء وسكونها، اسم مصدر من الإدراك. ويطلق أيضا على أسفل كل شيء ذي عمق، يقال: بلغ الغواص درك البحر( أنظر المعجم الوسيط 1/281 ).
[4] - الغياثي ص : 283 .
[5] - الغياثي ص : 286 .
[6]  -  الوضَر : الدرن والدسم والوسخ من الدسم وغيره. ( المعجم الوسيط 2/1039).
[7]  - نفر من الشيء نفورا ونِفارا : فزع وانقبض غير راض به( المعجم الوسيط 2/939).
[8]  - نخر نخرا ونخيرا : صوت بخياشيمه، والنخير  : الصوت بالأنف. ( المعجم الوسيط 2/908-909).
[9]  - ارْجَحَنَّ : ثقُل ومال واهتز ( المعجم الوسيط 1/330).
[10] - الغياثي ص : 407 وانظر ص : 440-441 .
[11]  - أنظر فقه السنة 1/17.
[12]  - كلاهما طبع دار نشر المعرفة، ط 1 : سنة 2010.

الأحد، 19 فبراير 2017

نماذج لبعض القواعد في "نهاية المطلب"
ق 1: كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل 1/21
ذكر هذه القاعدة في معرض رده على ما ذهب إليه الإمام أحمد من أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، حيث استدل بحديث عبد الله بن عكيم الجهني قال: « ورد علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب »[1].
ق 2: الوجه اتباع لفظ الشارع وربط الحكم به ( أي في الأحكام غير المعلة ) 1/7
حيث استدل بالقاعدة على أن اختصاص طهارات الأحداث بالماء يتبع فيه مورد الشارع ولا يطلب له معنى ولا علة.
ق 3: مدارك الأحكام التكليفية تؤخذ مما يتناوله أفهام الناس، لاسيما ما يبنى الأمر فيه على معنى اللفظ 1/10
أتى بها أثناء حديثه عن الماء المتغير بسبب المجاورة والمخالطة، ردا على من قد يعترض من المتكلمين على فصل الفقهاء بينهما في التغير الواقع للماء.
ق 4: "إلى" محمولة على الجمع والضم 1/74، حيث قال: «و"إلى في قوله تعالى: { إلى المرافق}[2]، محمول عند معظم الفقهاء على الجمع والضم».
ق 5: كان عليه السلام يواظب على الأولى، ويأتي بما هو جائز في الأحايين، فيتبين الأفضل بمواظبته، والجائز بنوادر أفعاله 1/95
وقد استعمل رحمه الله هذه القاعدة أثناء حديثه عن تعارض الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بتنشيف الأعضاء بعد الوضوء.
ق 6: إذا اتجه وجه في أمر الشرع تعين اتباعه 1/110
أتى بها في معرض حديثه عن اختلاف العلماء في عدد الأحجار حال الاستنجاء، هل هو متعين أم يجوز الاكتفاء بالواحدة والاثنتين إذا حصل الإنقاء.
ق 7: ما لا يجول القياس في إثباته، لا ينتظم القياس في نفيه 1/119
استدل الإمام بهذه القاعدة على وجاهة ما ذهب إليه الشافعي من عدم انتقاض الوضوء بالقيء والرعاف والحجامة وخروج شيء من الخارجات من غير المخرج المعتاد، لعدم ورود الخبر بذلك فما لا يجول القياس في إثباته لا ينتظم في نفيه.
ق 8: المتبع وإن كان خبرا والقياس لا مجال له أصلا، فلا ينبغي أن نحسم مدرك الفهم في مورد الخبر بالكلية 1/125
استدل بها في معرض حديثه عن الخلاف الوارد في حكم انتقاض وضوء النائم الذي مكن مقعدته من الأرض، وهل القول بعدم انتقاض وضوءه في هذه الحالة مخالف للخبر أم لا؟
ق 9: استصحاب ما يثبت يقينا أقوى ( أو التمسك باستصحاب اليقين أقوى ) 1/139
في معرض جوابه على سؤال: هل ما يغلب على الظن نجاسته نحكم بنجاسته ؟
ق 10: اليقين لا يترك بالظن 1/139
ق 11: إذا عدمنا القطع، ينعدم غلبة الظن أيضا 1/145
أتى بهذه القاعدة أثناء حديثه عن الأوصاف الثلاثة التي يتصف بها المني عن المذي والودي.
ق 12: الخروج عن الخلاف 1/176
إذا أحرم المتيمم بالصلاة ثم رأى الماء، فإن مذهب الشافعي أن التيمم والصلاة لا يبطلان، ثم هو على الخيار، فإن أراد أن يتم صلاته أتمها وإن أراد أن يقلبها نفلا فعل.
ثم اختلفوا في الأولى منهما، هل إتمام الفريضة أم الإعراض عنها للخروج عن الخلاف.
ق 13: الأمر موسع بعد الشروع كما كان موسعا قبل الشروع 1/178
ق 14: ليس للقياس مجال في الرخص 1/204
ردا على من قال من الفقهاء بأن من أصابه جرح وجب عليه إلقاء حائل على جرحه ثم المسح عليه أثناء الوضوء.
ق 15: الاستنباطات لا تستقل بأنفسها دون الاعتضاد بمورد الشرع 2/25
ق 16: الرسول ينوط حكمه وقضاءه بما يقدر وقوعه 2/28
ق 17: الأكثر في مقابلة المتبوع، والأقل في مقابلة التابع 2/30
ق 18: الترجيح من المسالك المقبولة في تقديم رواية على رواية 2/572




[1]  - رواه أحمد في المسند 4/310-311، وأبو داود برقم: 4127، وغيرهما.
[2]  - المائدة: 6

سلسة: مواضيع مقترحة للدكتوراه ( 2 ): نماذج لبعض القواعد في "نهاية المطلب"

نماذج لبعض القواعد في "نهاية المطلب"
ق 1: كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل 1/21
ذكر هذه القاعدة في معرض رده على ما ذهب إليه الإمام أحمد من أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، حيث استدل بحديث عبد الله بن عكيم الجهني قال: « ورد علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب »[1].
ق 2: الوجه اتباع لفظ الشارع وربط الحكم به ( أي في الأحكام غير المعلة ) 1/7
حيث استدل بالقاعدة على أن اختصاص طهارات الأحداث بالماء يتبع فيه مورد الشارع ولا يطلب له معنى ولا علة.
ق 3: مدارك الأحكام التكليفية تؤخذ مما يتناوله أفهام الناس، لاسيما ما يبنى الأمر فيه على معنى اللفظ 1/10
أتى بها أثناء حديثه عن الماء المتغير بسبب المجاورة والمخالطة، ردا على من قد يعترض من المتكلمين على فصل الفقهاء بينهما في التغير الواقع للماء.
ق 4: "إلى" محمولة على الجمع والضم 1/74، حيث قال: «و"إلى في قوله تعالى: { إلى المرافق}[2]، محمول عند معظم الفقهاء على الجمع والضم».
ق 5: كان عليه السلام يواظب على الأولى، ويأتي بما هو جائز في الأحايين، فيتبين الأفضل بمواظبته، والجائز بنوادر أفعاله 1/95
وقد استعمل رحمه الله هذه القاعدة أثناء حديثه عن تعارض الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بتنشيف الأعضاء بعد الوضوء.
ق 6: إذا اتجه وجه في أمر الشرع تعين اتباعه 1/110
أتى بها في معرض حديثه عن اختلاف العلماء في عدد الأحجار حال الاستنجاء، هل هو متعين أم يجوز الاكتفاء بالواحدة والاثنتين إذا حصل الإنقاء.
ق 7: ما لا يجول القياس في إثباته، لا ينتظم القياس في نفيه 1/119
استدل الإمام بهذه القاعدة على وجاهة ما ذهب إليه الشافعي من عدم انتقاض الوضوء بالقيء والرعاف والحجامة وخروج شيء من الخارجات من غير المخرج المعتاد، لعدم ورود الخبر بذلك فما لا يجول القياس في إثباته لا ينتظم في نفيه.
ق 8: المتبع وإن كان خبرا والقياس لا مجال له أصلا، فلا ينبغي أن نحسم مدرك الفهم في مورد الخبر بالكلية 1/125
استدل بها في معرض حديثه عن الخلاف الوارد في حكم انتقاض وضوء النائم الذي مكن مقعدته من الأرض، وهل القول بعدم انتقاض وضوءه في هذه الحالة مخالف للخبر أم لا؟
ق 9: استصحاب ما يثبت يقينا أقوى ( أو التمسك باستصحاب اليقين أقوى ) 1/139
في معرض جوابه على سؤال: هل ما يغلب على الظن نجاسته نحكم بنجاسته ؟
ق 10: اليقين لا يترك بالظن 1/139
ق 11: إذا عدمنا القطع، ينعدم غلبة الظن أيضا 1/145
أتى بهذه القاعدة أثناء حديثه عن الأوصاف الثلاثة التي يتصف بها المني عن المذي والودي.
ق 12: الخروج عن الخلاف 1/176
إذا أحرم المتيمم بالصلاة ثم رأى الماء، فإن مذهب الشافعي أن التيمم والصلاة لا يبطلان، ثم هو على الخيار، فإن أراد أن يتم صلاته أتمها وإن أراد أن يقلبها نفلا فعل.
ثم اختلفوا في الأولى منهما، هل إتمام الفريضة أم الإعراض عنها للخروج عن الخلاف.
ق 13: الأمر موسع بعد الشروع كما كان موسعا قبل الشروع 1/178
ق 14: ليس للقياس مجال في الرخص 1/204
ردا على من قال من الفقهاء بأن من أصابه جرح وجب عليه إلقاء حائل على جرحه ثم المسح عليه أثناء الوضوء.
ق 15: الاستنباطات لا تستقل بأنفسها دون الاعتضاد بمورد الشرع 2/25
ق 16: الرسول ينوط حكمه وقضاءه بما يقدر وقوعه 2/28
ق 17: الأكثر في مقابلة المتبوع، والأقل في مقابلة التابع 2/30
ق 18: الترجيح من المسالك المقبولة في تقديم رواية على رواية 2/572




[1]  - رواه أحمد في المسند 4/310-311، وأبو داود برقم: 4127، وغيرهما.
[2]  - المائدة: 6

بسم الله الرحمان الرحيم
يعتبر اختيار موضوع لنيل شهادة الدكتوراه من بين الأمور التي تؤرق مضجع العديد من طلبة العلم نظرا لوفرة البحوث المنجزة في مختلف العلوم والفنون، هذا بالإضافة إلى تنوع رؤى الأساتذة المشرفين على ملفات الترشيح المقدمة لهذا الغرض، فالبعض منهم يميل إلى الدراسات الفكرية، وآخرون يحبدون تحقيق المخطوطات التي لم تخدم من قبل، وعديدون يحبون دراسة مناهج القدماء قصد الاستفادة منها في بناء المستقبل ...، وبين هذه الرؤى وتلك الاختيارات يتيه نظر الطالب، ويحير فكره.
وبما أنني منذ وقت طويل وأنا أطرق أبواب بعض الجامعات، فقد تجمع لدي مجموعة من المواضيع التي أراها تصلح كبحوث نافعة للطالب المجد، والتي يستطيع من خلالها تقديم إضافة جديدة للمكتبة الإسلامية.
وبما أن فرصة القبول في هذا المسلك قد تتأخر، وربما تأتي أو لا تأتي، فقد ارتأيت أن أشارك هذه المواضيع مع باقي  الطلبة قصد الإفادة والاستفادة من ملاحظاتهم أو استدراكاتهم، كما أنها كلأ مباح لكل من أراد أن يتقدم بها كموضوع خاص به مقابل دعوة خالصة في ظهر الغيب.
وفيما يلي أقدم بين أيديكم الجزء الأول من هذه السلسلة، راجيا من الله تعالى القبول والتوفيق والسداد.
ملاحظة: هذا التقرير كتب قبل حوالي 7 سنوات ولم أراجعه قبل النشر.
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فمنذ أن نشر كتاب " نهاية المطلب في دراية المذهب" لإمام الحرمين عبد الملك الجويني ( ت 478 هـ )، سنة 2007 م الموافق 1428 هـ بتحقيق الدكتور عبد العظيم الديب - والذي يقع في تسعة عشر مجلدا عدا مجلد خاص بالمقدمات وآخر بالفهارس -، وأنا يراودني حلم اقتحام أسوار هذا السفر العظيم، والغوص في بحور كلماته ومعانيه، خاصة وأن صلتي بهذا الإمام الجليل تمتد جذورها إلى سنوات خلت، منذ أن (... ).
ورغبة مني في النهل من علوم هذا الإمام، والتعرف أكثر على جانب آخر من جوانب شخصيتة العلمية كواحد من أمهر الأصوليين الذين عرفهم تاريخ الفكر الإسلامي، (... ).
ثم لما تقدمت بي عجلت البحث العلمي، وصرت على مشارف التسجيل في مسلك الدكتوراه، اخترت مواصلة السير في درب إمام الحرمين، وقررت أن يكون موضوع البحث الذي أتقدم به لنيل شرف ولوج هذا المسلك هو: دراسة كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" واستخراج القواعد والفوائد الأصولية التي استعملها الإمام مع تطبيقاتها الفقهية.  
أولا: عنوان البحث المقترح
القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند إمام الحرمين في "نهاية المطلب": دراسة استقرائية تطبيقية.
ثانيا: أهمية الموضوع
إن مما يبين أهمية هذا الموضوع هو اندراجه تحت علم تخريج الفروع على الأصول، ولا يخفى على العلماء وطلبة العلم ما للقواعد الأصولية من أهمية في تخريج الفروع الفقهية، وأهميتها تنبعث من قدرتها على أن تشمل قدرا لا ينحصر من الجزئيات غير المتناهية، فقاعدة "الأمر للوجوب" مثلا تشمل ملا ينحصر من الأوامر الشرعية، وبالتالي فكلما كان الفقيه المدروس كتابه أصوليا ماهرا ومتضلعا، كلما اكتسى استخلاص القواعد من مؤلفاته  أهمية أكبر.
كما أن في هذا النوع من الدراسات تهيئة للباحث والقارئ على حد سواء للممارسة العملية للقاعدة الأصولية، ومعلوم أن المثال الفقهي عزيز في كتب الأصول، حتى إنهم يذكرون مثالا في الاستحسان ويكررونه في المصالح المرسلة أو الاستصلاح، كما هو الشأن بالنسبة لتضمين الصناع مثلا، ولهذا الاعتبار كان شيخنا الدكتور عبد الحميد العلمي يؤكد دائما على مدى الإعواز للمثال الفقهي في كتب الأصول.
ومصنفات الفقهاء تحمل في طياتها زادا كبيرا وثريا من دقائق القواعد الأصولية التي تحمل غاية هذين العِلمين، وهذه الدقائق تعتبر من بين الشفرات المهمة في جودة الإنتاج الفقهي، وقد ظهر أثر ذلك جليا في كتب الفقهاء الأصوليين، ولا شك أن الصنعة الأصولية ستكون حاضرة بقوة في كتاب "نهاية المطلب"، ولا تنتظر منا إلا أن نسبر أغوار هذا المصنف، ونغوص في بحر علومه الغامرة لنستخلص منها بعض الفوائد والقواعد التي تعود على الدرس الأصولي بالكثير من الفوائد.
وخلاصة القول: إن هذا الموضوع ذو أهمية كبيرة حيث يرمي إلى تقديم علم أصول الفقه من جانبه العملي.   
ثالثا: ثمراته
من ثمرات هذه الدراسة ما يلي:
1 – دراسة القاعدة أو الفائدة الأصولية من منظور فقهي بحث، بغض النظر عن الحشو الممل في دراسة المسائل الأصولية والذي يخرج علم أصول الفقه عن مساره أحيانا.
2 – تقوية القريحة الأصولية، بحيث لا يبقى الطالب مجرد ناقل للمذاهب الأصولية حافظ لها دون القدرة على إعمالها.
3 – إشباع علم أصول الفقه بالفروع الفقهية، وذلك لما أشرت إليه سابقا من أن وجودها في كتب أصول الفقه أمرا عزيزا.
4 - ولوج علم أصول الفقه بهذه الطريقة تجعل الباحث يتنقل مابين رتبة مجتهد التخريج والترجيح.   
5 - إضفاء صفة الحركية على علم أصول الفقه، ووضع اليد على جانب مهم من جوانبه العملية، وتوطيد الصلة بينه وبين الفقه.
6 – اكتساب القدرة العلمية التي تعين على استنباط الأحكام في النوازل المستجدة التي لا نجد فيها أجوبة للعلماء معدة، وذلك عن طريق اكتساب الملكة على استعمال القواعد الأصولية وتطبيقها في واقعنا المعاصر.
رابعا: إشكالية البحث
إن المتأمل في علم أصول الفقه من جانبه النظري، يجد في نفسه الكثير من الإشكالات المنهجية التي تخص علاقة هذا العلم بالفقه، خاصة إذا علمنا أن هناك عوزا فقهيا في كتب الأصول[1].
وعليه، فإن مثل هذه الدراسات ستعنى بملء الفراغ النسبي الذي تركته المؤلفات في هذا الفن، مما يلزم المتعلم، ويمرن الفقيه على تطبيق المسائل الفقهية على الأصول والأدلة الكلية، معتمدين في ذلك على واحد من أبرز أعلام أصول الفقه، وهو إمام الحرمين الجويني.
آملين في رحلتنا الطويلة مع كتابه "نهاية المطلب" أن نجيب على بعض الأسئلة التي تروج في فلك الساحة العلمية، والتي تتمثل أساسا في مدى استيعاب المباحث الأصولية للأحكام الفقهية، متسائلين عن المساحة التي يشغلها الاستدلال الأصولي في مجال الفقه عند علمائنا خاصة حذاق الأصوليين منهم ؟ وهل علم أصول الفقه هو مجرد علم نظري لا اعتبار له في مسائل الفروع كما يعتقد البعض، أم أنه محور الاستدلال الفقهي، وعليه مبنى الحكم في النوازل والمستجدات ؟، وما هو أثر المسائل الأصولية في الفقه؟، ثم هل يصح القول بأن من وسائل التجديد في أصول الفقه التعويل على ما استعمله الفقهاء في مؤلفاتهم، باعتبار أن النافع من علم الأصول هو ما استعمله الفقهاء وأن ما أعرضوا عنه هو عبارة لغو وفضلة ؟.
خامسا: الدراسات المنجزة في الموضوع
ينقسم الحديث عن الدراسات السابقة للموضوع إلى شقين:
أما الشق الأول فيتعلق بالدراسات المنجزة في نطاق هذا المشروع الأصولي الكبير الذي انبرى له عدد من العلماء وطلبة العلم في بحوثهم ودراساتهم، والذي يعمل على استخراج القواعد الأصولية التي استعملها الفقهاء في مصنفاتهم، ومن بين تلك الدراسات: "القواعد الأصولية عند الإمام الشاطبي من خلال الموافقات"[2]، وكتاب: "القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في المغني"[3] وكلاهما للدكتور الجيلالي المريني، وكتاب: "توجيه القاري إلى القواعد والفوائد الأصولية والحديثية والإسنادية في فتح الباري" لحافظ ثناء الله الزاهدي[4]، و كتاب "القواعد الأصولية عند ابن تيمية، وتطبيقاتها في المعاملات التقليدية والاقتصادية المعاصرة" لمحمد بن عبد الله بن الحاج التمبكي الهاشمي[5]، هذا بالإضافات إلى الدراسات الأكاديمية المنجزة في هذا الباب[6] والتي تهدف إلى خدمة هذا المشروع العلمي الكبير الذي انبرى له ثلة من الدارسين كما أسلفت الذكر.
وما يلاحظ على هذه الدراسات هو الإكثار من الحديث عن القاعدة من جانبها الأصولي، والإطناب في ذكر أقوال العلماء فيها، والأدلة التي يستدلون بها على صحتها من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو غيرها، مع إغفال الجانب التطبيقي لهذه القاعدة في بعض هذه الدراسات[7]، أو عدم إعطائه حقه من البحث في البعض الآخر[8].
أما الشق الثاني فهو المتعلق بالدراسات الخاصة بكتاب " نهاية المطلب" فهي لحد الآن وعلى حسب علمي تكاد تكون معدومة أو في طور الإنجاز، خاصة وأن الكتاب حديث عهد بالنشر، لذلك فإنه ولاشك سيثير قريحة الكثير من الباحثين والأكاديميين، سعيا منهم للنهل من بحر علومه الزاخرة، والاستفادة مما احتواه من درر وفوائد في مختلف الفنون من فقه وأصول وحديث وغيرها.
لكن الشيء الأكيد والذي لا غبار عليه هو أن مثل هذه الدراسة جديدة في مضمونها، جديرة بالرعاية والاهتمام، حيث إنها ستضيف إلى هذا المشروع رائدا من رواد أصول الفقه، حيث سيتم استقراء كتابه "نهاية المطلب" واستخراج ما يمكن استخراجه منه من فوائد ولطائف ونكت أصولية، لنشهد بأعيننا جانبا آخر من جوانب إمام الحرمين كفقيه متمرس يحسن استعمال الصنعة الأصولية.
سادسا: المنهجية المتبعة في هذه الدراسة
إن الهدف من هذه الدراسة هو إبراز الجانب العملي التطبيقي من أصول الفقه، لذلك فإنني لن أعمد إلى دراسة هذه القواعد المستخلصة من "نهاية المطلب" دراسة أصولية، لأن ذلك لا يخدم فكرة المشروع وهدفه، بل هو تكرار لكتب الأصول بطريق طويل متعرج، وإنما سأكتفي بالإشارة إلى أقوال الأصوليين في كل مسألة بشكل مقتضب، ثم سأصب جام اهتمامي على تفريع هذا الفرع الفقهي من هذه القاعدة، والنظر فيما يمكن أن يعترض عليها من اعتراضات.
وعليه فإنني سأعمل على إتمام هذه الدراسة من خلال مجموعة من المراحل هذه أهمها:
1 - استقراء كتاب "نهاية المطلب" واستخراج ما فيه من قواعد وفوائد أصولية.
2 - تصنيف هذه القواعد حسب الأبواب والفصول التي يمكن أن تجمعها، كالقواعد الأصولية في الأدلة، أو الدلالات، أو الاجتهاد والتقليد أو غيرها.
3 - النظر في أقوال الأصوليين في هذه القاعدة، وذلك في إشارة سريعة دون إطناب ولا إخلال.
4 - النظر في التطبيق الفقهي لهذه القاعدة عند الإمام، وما فيه من نكت وفوائد، وما يمكن أن يعترض عليه إن كانت هناك اعتراضات.
5 - الاعتناء أثناء التطبيق الفقهي لهذه القواعد بالقضايا المعاصرة والنوازل المستجدة، إذا كان هناك تشابه بين التطبيق والنازلة، وذلك لبث روح العصر في هذه الدراسة وربطها بواقعنا المعيش.
سابعا: بناء الموضوع ( التصميم )
في ضوء هذا المنهج الذي ذكرت، سيكون تصميم الرسالة  المبدئي–إن شاء الله – كما يلي:
التمهيد، ويشمل:
المبحث الأول: التعريف بإمام الحرمين
المطلب الأول: ترجمة مختصرة لإمام الحرمين
المطلب الثاني: لمحة عن الإمام ومدرسته الفقهية والأصولية
المطلب الثالث: التعريف بنهاية المطلب
المبحث الثاني: تعريف القواعد الأصولية
المطلب الأول: معنى القواعد الأصولية
المطلب الثاني: الفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية
المبحث الثالث: جرد القواعد الأصولية من "نهاية المطلب"
الباب الأول: قواعد أصولية في الأدلة
الفصل الأول: قواعد أصولية في الأدلة النقلية
المبحث الأول: قواعد أصولية في دليل القرآن
المبحث الثاني: قواعد أصولية في دليل السنة
الفصل الثاني: قواعد أصولية في الأدلة العقلية
المبحث الأول: قواعد أصولية في الإجماع والقياس
المبحث الثاني: قواعد أصولية في الاستحسان وشرع من قبلنا
الباب الثاني: قواعد أصولية في الأحكام الشرعية
الفصل الأول: قواعد أصولية في الحكم التكليفي
الفصل الثاني: قواعد أصولية في الحكم الوضعي
وهكذا، حيث سأعمل على استخراج هذه القواعد حسب الترتيب الذي تواطأ عليه معظم الأصوليين في مصنفاتهم، إلى أن أصل إلى القواعد الأصولية التي تخص الاجتهاد والترجيح والمقاصد[9].
ثامنا: أهم المراجع والمصادر
لا يمكنني التنبؤ في هذا الطور من البحث عن كافة المصادر والمراجع التي سأعتمدها في هذه الدراسة، لكن وبشكل مبدئي يمكنني الجزم بأن هذه القائمة الآتي ذكرها ستكون من ضمن عشرات المصادر الأخرى التي سأستفيد منها، ومن ذلك:
-         "نهاية المطلب في دراية المذهب"
-         الصحيحان وباقي كتب السنة
-         بعض كتب التراجم
-         الكتب المصادر في أصول الفقه ك : "البرهان للجويني"، والتقريب والإرشاد" للباقلاني، و"قواطع الأدلة" للسمعاني، و"المعتمد" لأبي الحسين البصري، و"الإشارة" للباجي، و"الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم والآخر للآمدي، ومختصر ابن الحاجب، و"إيضاح المحصول من برهان الأصول" للمازري وغيرها من كتب السادة الأصوليين من مختلف المذاهب.
خاتمة:
وختاما أشكر جامعة ( ... ) إدارة وأساتذة وموظفين على فتح أبواب التسجيل في هذا المسلك في وجوه الراغبين، سائلا المولى عز وجل أن ييسر لنا في طلب العلم، وأن يجعلنا من أعمدة النهضة العلمية التي تشارك فيها وتسعى إليها هذه المؤسسة العريقة، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يتبع: ( في المشاركة التالية: نماذج للقواعد الأصولية في "نهاية المطلب" )




[1]  - وإن كان الأمر ليس على إطلاقه لأن كتب السادة الحنفية تكثر ذكر الفروع الفقهية في مؤلفاتهم الأصولية، كما أن كتب تخريج الفروع على الأصول تحاول سد هذا النقص عند الجمهور.
[2]  - أصل هذا الكتاب عبارة عن رسالة ماجستير من جامعة القرويين ودار الحديث الحسنية بالرباط، وقد تم طبعه في دار ابن القيم بالدمام، ودار ابن عفان بالجيزة، سنة 1423 هـ - 2002 م، ط: الأولى.  ويقع في 440 صفحة.
[3]  - والكتاب طبع في دار ابن القيم – السعودية - ، ودار ابن عفان – مصر -، الطبعة الأولى: 1422 هـ - 2002 م، ويقع في 728 صفحة.
[4]  - و قد طبع في دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى: 1423 هـ 2003 م، ويقع في حوالي 300 صفحة.
[5]  - وهي رسالته للدكتوراه في جامعة أم درمان بالسودان، وقد تم طبعها في مكتبة الرشد، الطبعة الأولى: 1429 هـ - 2009 م، وجاءت في ثلاث مجلدات كبار، بلغ عدد صفحاتها 1582 صفحة.
[6]  - كدراسة القواعد الأصولية التي في التمهيد لابن عبد البر.
[7]  - كما هو الحال بالنسبة للكتابين التاليين: " القواعد ألأصولية عند الإمام الشاطبي"، و"توجيه القاري".
[8]  - كما هو الحال بالنسبة لكتاب: "القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في المغني"
[9]  - تجدر الإشارة إلى أنني استفدت من تقسيم الدكتور الجيلالي المريني الذي وضعه في كتابه "القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في المغني".

سلسة: مواضيع مقترحة للدكتوراه ( 1 ): القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند إمام الحرمين في "نهاية المطلب"

بسم الله الرحمان الرحيم
يعتبر اختيار موضوع لنيل شهادة الدكتوراه من بين الأمور التي تؤرق مضجع العديد من طلبة العلم نظرا لوفرة البحوث المنجزة في مختلف العلوم والفنون، هذا بالإضافة إلى تنوع رؤى الأساتذة المشرفين على ملفات الترشيح المقدمة لهذا الغرض، فالبعض منهم يميل إلى الدراسات الفكرية، وآخرون يحبدون تحقيق المخطوطات التي لم تخدم من قبل، وعديدون يحبون دراسة مناهج القدماء قصد الاستفادة منها في بناء المستقبل ...، وبين هذه الرؤى وتلك الاختيارات يتيه نظر الطالب، ويحير فكره.
وبما أنني منذ وقت طويل وأنا أطرق أبواب بعض الجامعات، فقد تجمع لدي مجموعة من المواضيع التي أراها تصلح كبحوث نافعة للطالب المجد، والتي يستطيع من خلالها تقديم إضافة جديدة للمكتبة الإسلامية.
وبما أن فرصة القبول في هذا المسلك قد تتأخر، وربما تأتي أو لا تأتي، فقد ارتأيت أن أشارك هذه المواضيع مع باقي  الطلبة قصد الإفادة والاستفادة من ملاحظاتهم أو استدراكاتهم، كما أنها كلأ مباح لكل من أراد أن يتقدم بها كموضوع خاص به مقابل دعوة خالصة في ظهر الغيب.
وفيما يلي أقدم بين أيديكم الجزء الأول من هذه السلسلة، راجيا من الله تعالى القبول والتوفيق والسداد.
ملاحظة: هذا التقرير كتب قبل حوالي 7 سنوات ولم أراجعه قبل النشر.
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فمنذ أن نشر كتاب " نهاية المطلب في دراية المذهب" لإمام الحرمين عبد الملك الجويني ( ت 478 هـ )، سنة 2007 م الموافق 1428 هـ بتحقيق الدكتور عبد العظيم الديب - والذي يقع في تسعة عشر مجلدا عدا مجلد خاص بالمقدمات وآخر بالفهارس -، وأنا يراودني حلم اقتحام أسوار هذا السفر العظيم، والغوص في بحور كلماته ومعانيه، خاصة وأن صلتي بهذا الإمام الجليل تمتد جذورها إلى سنوات خلت، منذ أن (... ).
ورغبة مني في النهل من علوم هذا الإمام، والتعرف أكثر على جانب آخر من جوانب شخصيتة العلمية كواحد من أمهر الأصوليين الذين عرفهم تاريخ الفكر الإسلامي، (... ).
ثم لما تقدمت بي عجلت البحث العلمي، وصرت على مشارف التسجيل في مسلك الدكتوراه، اخترت مواصلة السير في درب إمام الحرمين، وقررت أن يكون موضوع البحث الذي أتقدم به لنيل شرف ولوج هذا المسلك هو: دراسة كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" واستخراج القواعد والفوائد الأصولية التي استعملها الإمام مع تطبيقاتها الفقهية.  
أولا: عنوان البحث المقترح
القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند إمام الحرمين في "نهاية المطلب": دراسة استقرائية تطبيقية.
ثانيا: أهمية الموضوع
إن مما يبين أهمية هذا الموضوع هو اندراجه تحت علم تخريج الفروع على الأصول، ولا يخفى على العلماء وطلبة العلم ما للقواعد الأصولية من أهمية في تخريج الفروع الفقهية، وأهميتها تنبعث من قدرتها على أن تشمل قدرا لا ينحصر من الجزئيات غير المتناهية، فقاعدة "الأمر للوجوب" مثلا تشمل ملا ينحصر من الأوامر الشرعية، وبالتالي فكلما كان الفقيه المدروس كتابه أصوليا ماهرا ومتضلعا، كلما اكتسى استخلاص القواعد من مؤلفاته  أهمية أكبر.
كما أن في هذا النوع من الدراسات تهيئة للباحث والقارئ على حد سواء للممارسة العملية للقاعدة الأصولية، ومعلوم أن المثال الفقهي عزيز في كتب الأصول، حتى إنهم يذكرون مثالا في الاستحسان ويكررونه في المصالح المرسلة أو الاستصلاح، كما هو الشأن بالنسبة لتضمين الصناع مثلا، ولهذا الاعتبار كان شيخنا الدكتور عبد الحميد العلمي يؤكد دائما على مدى الإعواز للمثال الفقهي في كتب الأصول.
ومصنفات الفقهاء تحمل في طياتها زادا كبيرا وثريا من دقائق القواعد الأصولية التي تحمل غاية هذين العِلمين، وهذه الدقائق تعتبر من بين الشفرات المهمة في جودة الإنتاج الفقهي، وقد ظهر أثر ذلك جليا في كتب الفقهاء الأصوليين، ولا شك أن الصنعة الأصولية ستكون حاضرة بقوة في كتاب "نهاية المطلب"، ولا تنتظر منا إلا أن نسبر أغوار هذا المصنف، ونغوص في بحر علومه الغامرة لنستخلص منها بعض الفوائد والقواعد التي تعود على الدرس الأصولي بالكثير من الفوائد.
وخلاصة القول: إن هذا الموضوع ذو أهمية كبيرة حيث يرمي إلى تقديم علم أصول الفقه من جانبه العملي.   
ثالثا: ثمراته
من ثمرات هذه الدراسة ما يلي:
1 – دراسة القاعدة أو الفائدة الأصولية من منظور فقهي بحث، بغض النظر عن الحشو الممل في دراسة المسائل الأصولية والذي يخرج علم أصول الفقه عن مساره أحيانا.
2 – تقوية القريحة الأصولية، بحيث لا يبقى الطالب مجرد ناقل للمذاهب الأصولية حافظ لها دون القدرة على إعمالها.
3 – إشباع علم أصول الفقه بالفروع الفقهية، وذلك لما أشرت إليه سابقا من أن وجودها في كتب أصول الفقه أمرا عزيزا.
4 - ولوج علم أصول الفقه بهذه الطريقة تجعل الباحث يتنقل مابين رتبة مجتهد التخريج والترجيح.   
5 - إضفاء صفة الحركية على علم أصول الفقه، ووضع اليد على جانب مهم من جوانبه العملية، وتوطيد الصلة بينه وبين الفقه.
6 – اكتساب القدرة العلمية التي تعين على استنباط الأحكام في النوازل المستجدة التي لا نجد فيها أجوبة للعلماء معدة، وذلك عن طريق اكتساب الملكة على استعمال القواعد الأصولية وتطبيقها في واقعنا المعاصر.
رابعا: إشكالية البحث
إن المتأمل في علم أصول الفقه من جانبه النظري، يجد في نفسه الكثير من الإشكالات المنهجية التي تخص علاقة هذا العلم بالفقه، خاصة إذا علمنا أن هناك عوزا فقهيا في كتب الأصول[1].
وعليه، فإن مثل هذه الدراسات ستعنى بملء الفراغ النسبي الذي تركته المؤلفات في هذا الفن، مما يلزم المتعلم، ويمرن الفقيه على تطبيق المسائل الفقهية على الأصول والأدلة الكلية، معتمدين في ذلك على واحد من أبرز أعلام أصول الفقه، وهو إمام الحرمين الجويني.
آملين في رحلتنا الطويلة مع كتابه "نهاية المطلب" أن نجيب على بعض الأسئلة التي تروج في فلك الساحة العلمية، والتي تتمثل أساسا في مدى استيعاب المباحث الأصولية للأحكام الفقهية، متسائلين عن المساحة التي يشغلها الاستدلال الأصولي في مجال الفقه عند علمائنا خاصة حذاق الأصوليين منهم ؟ وهل علم أصول الفقه هو مجرد علم نظري لا اعتبار له في مسائل الفروع كما يعتقد البعض، أم أنه محور الاستدلال الفقهي، وعليه مبنى الحكم في النوازل والمستجدات ؟، وما هو أثر المسائل الأصولية في الفقه؟، ثم هل يصح القول بأن من وسائل التجديد في أصول الفقه التعويل على ما استعمله الفقهاء في مؤلفاتهم، باعتبار أن النافع من علم الأصول هو ما استعمله الفقهاء وأن ما أعرضوا عنه هو عبارة لغو وفضلة ؟.
خامسا: الدراسات المنجزة في الموضوع
ينقسم الحديث عن الدراسات السابقة للموضوع إلى شقين:
أما الشق الأول فيتعلق بالدراسات المنجزة في نطاق هذا المشروع الأصولي الكبير الذي انبرى له عدد من العلماء وطلبة العلم في بحوثهم ودراساتهم، والذي يعمل على استخراج القواعد الأصولية التي استعملها الفقهاء في مصنفاتهم، ومن بين تلك الدراسات: "القواعد الأصولية عند الإمام الشاطبي من خلال الموافقات"[2]، وكتاب: "القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في المغني"[3] وكلاهما للدكتور الجيلالي المريني، وكتاب: "توجيه القاري إلى القواعد والفوائد الأصولية والحديثية والإسنادية في فتح الباري" لحافظ ثناء الله الزاهدي[4]، و كتاب "القواعد الأصولية عند ابن تيمية، وتطبيقاتها في المعاملات التقليدية والاقتصادية المعاصرة" لمحمد بن عبد الله بن الحاج التمبكي الهاشمي[5]، هذا بالإضافات إلى الدراسات الأكاديمية المنجزة في هذا الباب[6] والتي تهدف إلى خدمة هذا المشروع العلمي الكبير الذي انبرى له ثلة من الدارسين كما أسلفت الذكر.
وما يلاحظ على هذه الدراسات هو الإكثار من الحديث عن القاعدة من جانبها الأصولي، والإطناب في ذكر أقوال العلماء فيها، والأدلة التي يستدلون بها على صحتها من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو غيرها، مع إغفال الجانب التطبيقي لهذه القاعدة في بعض هذه الدراسات[7]، أو عدم إعطائه حقه من البحث في البعض الآخر[8].
أما الشق الثاني فهو المتعلق بالدراسات الخاصة بكتاب " نهاية المطلب" فهي لحد الآن وعلى حسب علمي تكاد تكون معدومة أو في طور الإنجاز، خاصة وأن الكتاب حديث عهد بالنشر، لذلك فإنه ولاشك سيثير قريحة الكثير من الباحثين والأكاديميين، سعيا منهم للنهل من بحر علومه الزاخرة، والاستفادة مما احتواه من درر وفوائد في مختلف الفنون من فقه وأصول وحديث وغيرها.
لكن الشيء الأكيد والذي لا غبار عليه هو أن مثل هذه الدراسة جديدة في مضمونها، جديرة بالرعاية والاهتمام، حيث إنها ستضيف إلى هذا المشروع رائدا من رواد أصول الفقه، حيث سيتم استقراء كتابه "نهاية المطلب" واستخراج ما يمكن استخراجه منه من فوائد ولطائف ونكت أصولية، لنشهد بأعيننا جانبا آخر من جوانب إمام الحرمين كفقيه متمرس يحسن استعمال الصنعة الأصولية.
سادسا: المنهجية المتبعة في هذه الدراسة
إن الهدف من هذه الدراسة هو إبراز الجانب العملي التطبيقي من أصول الفقه، لذلك فإنني لن أعمد إلى دراسة هذه القواعد المستخلصة من "نهاية المطلب" دراسة أصولية، لأن ذلك لا يخدم فكرة المشروع وهدفه، بل هو تكرار لكتب الأصول بطريق طويل متعرج، وإنما سأكتفي بالإشارة إلى أقوال الأصوليين في كل مسألة بشكل مقتضب، ثم سأصب جام اهتمامي على تفريع هذا الفرع الفقهي من هذه القاعدة، والنظر فيما يمكن أن يعترض عليها من اعتراضات.
وعليه فإنني سأعمل على إتمام هذه الدراسة من خلال مجموعة من المراحل هذه أهمها:
1 - استقراء كتاب "نهاية المطلب" واستخراج ما فيه من قواعد وفوائد أصولية.
2 - تصنيف هذه القواعد حسب الأبواب والفصول التي يمكن أن تجمعها، كالقواعد الأصولية في الأدلة، أو الدلالات، أو الاجتهاد والتقليد أو غيرها.
3 - النظر في أقوال الأصوليين في هذه القاعدة، وذلك في إشارة سريعة دون إطناب ولا إخلال.
4 - النظر في التطبيق الفقهي لهذه القاعدة عند الإمام، وما فيه من نكت وفوائد، وما يمكن أن يعترض عليه إن كانت هناك اعتراضات.
5 - الاعتناء أثناء التطبيق الفقهي لهذه القواعد بالقضايا المعاصرة والنوازل المستجدة، إذا كان هناك تشابه بين التطبيق والنازلة، وذلك لبث روح العصر في هذه الدراسة وربطها بواقعنا المعيش.
سابعا: بناء الموضوع ( التصميم )
في ضوء هذا المنهج الذي ذكرت، سيكون تصميم الرسالة  المبدئي–إن شاء الله – كما يلي:
التمهيد، ويشمل:
المبحث الأول: التعريف بإمام الحرمين
المطلب الأول: ترجمة مختصرة لإمام الحرمين
المطلب الثاني: لمحة عن الإمام ومدرسته الفقهية والأصولية
المطلب الثالث: التعريف بنهاية المطلب
المبحث الثاني: تعريف القواعد الأصولية
المطلب الأول: معنى القواعد الأصولية
المطلب الثاني: الفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية
المبحث الثالث: جرد القواعد الأصولية من "نهاية المطلب"
الباب الأول: قواعد أصولية في الأدلة
الفصل الأول: قواعد أصولية في الأدلة النقلية
المبحث الأول: قواعد أصولية في دليل القرآن
المبحث الثاني: قواعد أصولية في دليل السنة
الفصل الثاني: قواعد أصولية في الأدلة العقلية
المبحث الأول: قواعد أصولية في الإجماع والقياس
المبحث الثاني: قواعد أصولية في الاستحسان وشرع من قبلنا
الباب الثاني: قواعد أصولية في الأحكام الشرعية
الفصل الأول: قواعد أصولية في الحكم التكليفي
الفصل الثاني: قواعد أصولية في الحكم الوضعي
وهكذا، حيث سأعمل على استخراج هذه القواعد حسب الترتيب الذي تواطأ عليه معظم الأصوليين في مصنفاتهم، إلى أن أصل إلى القواعد الأصولية التي تخص الاجتهاد والترجيح والمقاصد[9].
ثامنا: أهم المراجع والمصادر
لا يمكنني التنبؤ في هذا الطور من البحث عن كافة المصادر والمراجع التي سأعتمدها في هذه الدراسة، لكن وبشكل مبدئي يمكنني الجزم بأن هذه القائمة الآتي ذكرها ستكون من ضمن عشرات المصادر الأخرى التي سأستفيد منها، ومن ذلك:
-         "نهاية المطلب في دراية المذهب"
-         الصحيحان وباقي كتب السنة
-         بعض كتب التراجم
-         الكتب المصادر في أصول الفقه ك : "البرهان للجويني"، والتقريب والإرشاد" للباقلاني، و"قواطع الأدلة" للسمعاني، و"المعتمد" لأبي الحسين البصري، و"الإشارة" للباجي، و"الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم والآخر للآمدي، ومختصر ابن الحاجب، و"إيضاح المحصول من برهان الأصول" للمازري وغيرها من كتب السادة الأصوليين من مختلف المذاهب.
خاتمة:
وختاما أشكر جامعة ( ... ) إدارة وأساتذة وموظفين على فتح أبواب التسجيل في هذا المسلك في وجوه الراغبين، سائلا المولى عز وجل أن ييسر لنا في طلب العلم، وأن يجعلنا من أعمدة النهضة العلمية التي تشارك فيها وتسعى إليها هذه المؤسسة العريقة، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يتبع: ( في المشاركة التالية: نماذج للقواعد الأصولية في "نهاية المطلب" )




[1]  - وإن كان الأمر ليس على إطلاقه لأن كتب السادة الحنفية تكثر ذكر الفروع الفقهية في مؤلفاتهم الأصولية، كما أن كتب تخريج الفروع على الأصول تحاول سد هذا النقص عند الجمهور.
[2]  - أصل هذا الكتاب عبارة عن رسالة ماجستير من جامعة القرويين ودار الحديث الحسنية بالرباط، وقد تم طبعه في دار ابن القيم بالدمام، ودار ابن عفان بالجيزة، سنة 1423 هـ - 2002 م، ط: الأولى.  ويقع في 440 صفحة.
[3]  - والكتاب طبع في دار ابن القيم – السعودية - ، ودار ابن عفان – مصر -، الطبعة الأولى: 1422 هـ - 2002 م، ويقع في 728 صفحة.
[4]  - و قد طبع في دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى: 1423 هـ 2003 م، ويقع في حوالي 300 صفحة.
[5]  - وهي رسالته للدكتوراه في جامعة أم درمان بالسودان، وقد تم طبعها في مكتبة الرشد، الطبعة الأولى: 1429 هـ - 2009 م، وجاءت في ثلاث مجلدات كبار، بلغ عدد صفحاتها 1582 صفحة.
[6]  - كدراسة القواعد الأصولية التي في التمهيد لابن عبد البر.
[7]  - كما هو الحال بالنسبة للكتابين التاليين: " القواعد ألأصولية عند الإمام الشاطبي"، و"توجيه القاري".
[8]  - كما هو الحال بالنسبة لكتاب: "القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في المغني"
[9]  - تجدر الإشارة إلى أنني استفدت من تقسيم الدكتور الجيلالي المريني الذي وضعه في كتابه "القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في المغني".

المتابعون

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الرجوع للأعلى